لم يكن احتجاج أصحاب البسطات الأخير في دمشق، والذي انتهى بلقاء “احتواء” بين المحافظ وممثلين عن المحتجين، مجرد صرخة عابرة ضد إزالة إشغالات الأرصفة، بل هو تجلٍّ حي لأزمة اقتصادية متجذرة يصفها الخبراء بأنها “دائرة انكماشية” مغلقة. هذا التحرك الميداني أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول جدوى الخطط الاستثمارية المعلنة أمام واقع معيشي يدفع بآلاف الأسر نحو سبل العيش الهشة.
من ندرة الثمانينات إلى فخ الركود
ولفهم لماذا يستميت المواطن السوري اليوم للبقاء خلف “بسطة” على الرصيف، يجب العودة إلى المسار التاريخي للاقتصاد المحلي. وبحسب تحليل الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، فإن الاقتصاد السوري شهد منذ منتصف القرن العشرين مساراً تنازلياً في مؤشرات المعيشة؛ حيث أدت السياسات المركزية وضعف الانفتاح على الأسواق العالمية إلى ندرة السلع الأساسية في الثمانينات، ما انعكس انخفاضاً في العرض الكلي وارتفاعاً في تكاليف المعاملات، ليخلق حالة من “الركود التضخمي”.
ويضيف د. قوشجي أنه ومع بداية التسعينات، سمح دخول القطاع الخاص بزيادة نسبية في تدفق السلع، لكنه ظل محدوداً لغياب البيئة الجاذبة وضعف البنية التحتية والتشريعية، ما أبقى فجوة هائلة بين الطلب الكامن والقدرة الإنتاجية، فجاء الاستثمار ضعيفاً وغير قادر على خلق قيمة مضافة. هذا الضعف انعكس مباشرة على سوق العمل بأجور غير متناسبة مع التكاليف، لتكتمل “الدائرة الانكماشية”: (ضعف استثمار – ضعف تشغيل – ضعف دخل – ضعف طلب – استمرار الركود).
لغة الأرقام في مواجهة الواق
هذا الضعف الهيكلي التاريخي الذي أشار إليه د. قوشجي، يفسر اليوم لماذا ترسم التقارير الدولية صورة قاتمة للوضع الراهن؛ فتقديرات الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي لعامي 2024-2025 تشير إلى أن أكثر من 90 % من السوريين يرزحون تحت خط الفقر. هذا الواقع يدعمه تقرير الاحتياجات الإنسانية “إتش أن أو” الذي يؤكد أن 12.9 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما جعل “البسطة” صمام أمان حيوي للبقاء في ظل قفز تكاليف المعيشة لمستويات قياسية وفق دراسات مركز قاسيون المحلي.إذ يحتاج العامل لأضعاف راتبه الرسمي لتغطية رمقه، ليصبح “الرصيف” هو الملاذ الوحيد لترميم هذا العجز الحاد.
إطار اقتصادي شامل
يرى الدكتور قوشجي أنه بعد التحولات السياسية وتبني توجهات الاقتصاد الحر، يصبح من الضروري صياغة إطار شامل يقوم على إصلاح تشريعي يضمن حماية المستثمرين وتبسيط الإجراءات، مع تحفيز الاستثمار الإنتاجي في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية كالصناعة التحويلية والزراعة الحديثة.
ويشدد الدكتور قوشجي على ضرورة إعادة هيكلة سوق العمل ورفع الحد الأدنى للأجور، مع أهمية رفع متوسط الدخل الحقيقي بوتيرة أسرع من تقليص الدعم الحكومي، لضمان استقرار اجتماعي وتحفيز الطلب الداخلي، مبيناً أن بناء مؤسسات مالية قوية قادرة على تمويل المشاريع هو السبيل الوحيد لخلق دورة نمو جديدة قائمة على الإنتاجية وتحسين مستوى المعيشة.
ما وراء لقاء المحافظ
إن إنهاء الاحتجاج بلقاء دبلوماسي قد يهدئ الشارع مؤقتاً، لكن الحل المستدام -كما يطرحه المختصون- يكمن في بناء مؤسسات مالية قوية قادرة على تمويل المشاريع الإنتاجية. فالعاصمة لن تصبح “جميلة” بمجرد إخلاء أرصفتها، بل عندما تنجح السياسات في نقل هؤلاء الباعة من هامش الرصيف إلى قلب الدورة الاقتصادية، عبر نمو حقيقي يشعر به المواطن في جيبه قبل أن يراه في المانشيتات الإخبارية.