حروب متقاطعة وتسويات مؤجلة: من يضبط إيقاع التصعيد في الشرق والشرق الأقصى

وديع فايز الشماس ـ الخبير السوري:

يشهد النظام الدولي لحظة شديدة التعقيد، تتداخل فيها مسارات التصعيد العسكري مع محاولات سياسية لم تُغلق أبوابها بعد، وإن فقدت الكثير من فعاليتها. فبينما كانت واشنطن وطهران تخوضان جولات تفاوض وُصفت بالإيجابية، اندلعت مواجهة مباشرة أعادت رسم حدود الاشتباك بين الطرفين. هذا التناقض الظاهري يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام انفجار غير قابل للاحتواء، أم أمام تصعيد مضبوط يُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى؟

* الاستراتيجية الأمريكية: إعادة تعريف الردع
الضربة الأمريكية الأخيرة لم تكن خروجًا عن السياق، بل جاءت نتيجة تراجع فعالية أدوات الضغط التقليدية. فالعقوبات الاقتصادية لم تعد كافية لتغيير السلوك الإيراني، والمسار التفاوضي لم يعد قادرًا على ضبط الملفات النووية والإقليمية. في هذا الإطار، لجأت واشنطن إلى القوة العسكرية بهدف إعادة ضبط قواعد الردع، دون السعي إلى مواجهة شاملة أو تغيير جذري في بنية النظام الإيراني.

هذا التحول يعكس رغبة أمريكية في استعادة القدرة على التأثير في مسار الأحداث، مع الحفاظ على هامش يسمح بتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة لا ترغب بها الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة.

* الرد الإيراني: تثبيت قواعد الاشتباك دون توسيعها
جاء الرد الإيراني واسعًا لكنه محسوب. فطهران تدرك أن الامتناع عن الرد سيُفسَّر تراجعًا في قدرتها على حماية مصالحها، لكنها تدرك أيضًا أن تجاوز حدود معينة قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة. لذلك اختارت ردًا يثبت قدرتها على الردع، دون أن يغلق الباب أمام العودة إلى المسار السياسي.

بهذا المعنى، بدا الرد الإيراني جزءًا من معادلة “التصعيد المنضبط”، حيث تُرسل الرسائل العسكرية دون تجاوز الخطوط التي قد تجعل الصراع خارج السيطرة.

آسيا الوسطى: هشاشة جيوسياسية تتفاعل مع المشهد الأكبر
في موازاة ذلك، يتصاعد التوتر بين أفغانستان وباكستان، ما يضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار في منطقة تُعدّ حساسة لممرات الطاقة والتجارة. ورغم أن هذا التوتر ليس جزءًا مباشرًا من المواجهة الأمريكية–الإيرانية، إلا أنه يساهم في خلق بيئة إقليمية أكثر هشاشة، ويزيد من تعقيد حسابات القوى الكبرى.

الصين وروسيا: مراقبة دقيقة وإدارة محسوبة للصراع
تتعامل الصين مع التصعيد من زاوية اقتصادية–استراتيجية. فهي لا ترغب في اضطرابات تهدد طرق التجارة والطاقة، لكنها في الوقت ذاته تستفيد من أي تراجع في النفوذ الأمريكي. لذلك تفضّل بكين الحفاظ على مستوى من الاستقرار يسمح لها بتوسيع حضورها الاقتصادي دون الانخراط المباشر في الصراع.

أما روسيا، فتتعامل مع المشهد باعتباره فرصة لإضعاف خصمها الاستراتيجي دون مواجهة مباشرة. دعمها لإيران يبقى ضمن حدود مدروسة، تمنحها نفوذًا إضافيًا دون أن تدفعها إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب.

* هل نحن أمام حرب متفق عليها؟
الحديث عن “حرب متفق عليها” لا يعكس تعقيد المشهد. ما يجري هو تقاطع مصالح لا أكثر:

– الولايات المتحدة تسعى إلى ردع فعال دون حرب طويلة.
– إيران تريد الحفاظ على توازن الردع دون خسائر استراتيجية.
– الصين وروسيا تفضّلان نظامًا دوليًا أقل خضوعًا للهيمنة الأمريكية.

في هذا السياق، تتحول المواجهات المحدودة إلى أدوات تفاوض غير مباشرة، تُستخدم لإعادة رسم الخطوط الحمراء بدلًا من تجاوزها.

* عالم يتشكل بين القوة والدبلوماسية
ما نشهده اليوم ليس حربًا فاصلة ولا سلامًا وشيكًا، بل مرحلة انتقالية في نظام دولي يعاد تشكيله تدريجيًا. إنها مرحلة تتداخل فيها القوة مع السياسة، ويتقدم فيها التصعيد بقدر ما تتراجع فرص التسوية. وفي هذا المشهد، يبقى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ساحتي اختبار لملامح النظام العالمي القادم، لا مجرد محطات عابرة في مسار الأزمات.

[ جديد الخبير ]