الذكاء الاصطناعي والاقتصاد

د. عامر خربوطلي ـ الخبير السوري:

الموجة الجديدة التي تقودها مراكز البيانات الضخمة الداعمة للذكاء الاصطناعي تعيد النظر بالكثير من المفاهيم الاقتصادية و النماذج و حتى التطبيقات الاقتصادية . انها ثورة في اتخاذ القرارات الاقتصادية مدعومة اساسا بقوة هائلة في تحليل البيانات والمعلومات الضخمة بسرعة لا يقدر عليها العقل البشري باي شكل من الاشكال .
ماقبل الذكاء الصنعي ليس كماقبله في جميع ميادين الحياة و الاقتصاد في عين العاصفة هذه المرة .
التأثير المتبادل للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد له العديد من المستويات .
فعلى مستوى الاقتصاد الجزئي و اعمال الشركات فان الذكاء الصنعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل هو محرك جديد للنمو والتجديد و التطوير المتسارع و التنامي الهائل لعالم الاعمال من خلال أوجه عديدة في مقدمتها زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف حيث تستخدم الشركات والمؤسسات الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام الروتينيةو تحسين سلاسل التوريد والتنبؤ بالصيانة مما يعني إنتاجًا أكبر بتكلفة أقل ووقت توقف أقل وهذا جوهر الاقتصاد اصلا .
بالاضافة الى خلق أسواق ومنتجات جديدة غير معروفة سابقا و منها الطلب الهائل على الطاقة من مراكز الذكاء الاصطناعي يخلق سوقًا جديدًا للشركات بسرعة هائلة و بخاصة في مجال الطاقة و المولدات و تنامي شركات البرمجيات التي تنتج أدوات ذكاء اصطناعي جديدة، وشركات السيارات التي تنتج سيارات ذاتية القيادة و جميعها أمثلة مهمة ..
كما يساعد الذكاء الاصطناعي مدراء الشركات على فهم كميات هائلة من البيانات (Big Data) لاستخلاص رؤى استراتيجية حول الاسواق والعملاء و محددات الطلب و اتجاهاته المستقبلية بفعل النمذجة والمحاكاة الذكية مما يؤدي إلى قرارات اقتصادية و ادارية أكثر فعالية و نجاح .
اما على مستوى الاقتصاد الكلي و هنا مربط الفرس و غاية القول فالتأثير أكثر وضوحا و بخاصة على نمو الناتج المحلي الإجمالي المصطلح ب (GDP) فان العديد من الدراسات تتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي في إضافة تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي حتى نهاية العقد الحالي، من خلال الزيادة الهائلة في الكفاءة الإنتاجية و التشغيلية و التمويلية . الذكاء الاصطناعي أصبح ببساطة بمثابة محرك نمو جديد غير مسبوق يشبه استخدام الكهرباء أو الإنترنت في القرون و العقود الماضية .
و الاهم من ذلك ما يدخل في معادلة النمو الاقتصادي نفسها التي لم تعد تقتصر على تراكم رأس المال رغم أهميته بل على قدرة هذه الاستثمارات بجميع أشكالها سواء الإنتاجية أو الخدمية على تحقيق معدلات عائد داخلي مضاعفة بنفس وحدة رأس المال بفعل استخدام ادوات و تطبيقات الذكاء الصنعي في رفع كفاءة رأس المال مما يضاعف الناتج المحلي بموارد محددة اصلا و هذا مايناسب و يحاكي الاقتصاد السوري الحالي الذي يحتاج لحرق المراحل الزمنية لتحقيق معدلات نمو استباقية عالية المستوى لتعويض مافاته من تقلص و ضمور جاوز ال ٨٠% عما كان عليه قبل عام ٢٠١١ و في حال اندماج التقانة و الذكاء و ريادة الاعمال حينها فقط تستكمل حلقة الكفاءة القصوى التي يطلبها الاقتصاد السوري .
الذكاء الاصطناعي باختصار هو قوة اقتصادية هائلة قد تكون ثنائية الوجه وجه يعد بازدهار وكفاءة غير مسبوقين، ووجه آخر يحمل تحديات جسيمة تتعلق بالبطالة في القطاعات غير التقليدية و احيانا عدم المساواةبين من يمتلك أدوات هذا الذكاء و من يفتقدها أو على الأقل الغير مندمج بها بالشكل الكافي و هذا مايميز الدول المتقدمة الناهضة و المتطورة والدول التقليدية التي تحاول النمو بالطرق القديمة المعتمدة على التراكم الرأسمالي وحده .
سوريا الجديدة المتجددة لن تنهض بالشكل المطلوب دون دخول برامج و أدوات الذكاء الصنعي و تطبيقاته في التحليل والدراسة و التقييم و اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية الاستراتيجية الفعالة والناجحة على مستوى الشركات و على مستوى الاقتصاد الكلي ..

دمشق في ٢٥ شباط ٢٠٢٦
العيادة الاقتصادية السورية

[ جديد الخبير ]