الخبير السوري: تستثمر السعودية ودول الخليج بكثافة في إعادة إعمار سوريا، مع مشاريع تشمل مطارات وشبكات اتصالات ومحطات للطاقة والمياه. ومع ذلك، تأتي هذه الاستثمارات في بلد لا تزال مؤسساته القضائيةوالإدارية ضعيفة، ودون إطار حوكمة واضح يضمن الشفافية أو العدالة الجغرافية.
تتركز معظم الاستثمارات في دمشق وحلب، بينما تظل مناطق عانت من العنف في مراحل الانتقال خارج نطاق الاهتمام. ولذلك تمثل الفجوة بين ضخ الأموالوأطر الحكم المؤسساتي اللازمة لتحويلها إلى نتائج تنموية حقيقية التحدي الأكبر أمام استقرار سوريا وإعادة إعمارها.
فيما يلي ترجمة المادة التي نشرتها مجلة فوربس ضمن إطار تحليل الواقع الاقتصادي لسوريا خلال المرحلة الانتقالية، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لموقف فوربس أو تماهياً مع رأي كاتب المقال.
الترجمة منقولة عن تلفزيون سوريا.. المترجمة ربى خدام الجامع:
في السابع من شباط 2026، وقعت المملكة العربية السعودية على تعهدات استثمارية مع الحكومة الانتقالية السورية بلغت قيمتها مليارين وثمانمئة ألف دولار، وتشمل تلك الحزمة إعادة تأهيل مطار حلب وإقامة مطار آخر في تلك المدينة، إلى جانب مد شبكة ألياف ضوئية في البلد على امتداد 4500 كيلومتراً، وتأسيس شركة طيران مشتركة، ومحطة لتحلية مياه البحر على الساحل. وهذه الاستثمارات ترسخ حضور كبرى الشركات السعودية في البنية التشغيلية لدولة ما يزال جهازها القضائي لا يعمل بشكل كامل، أي أن الرساميل وصلت قبل أن تعود مؤسسات الدولة إلى العمل.
أما المخاطر التي تكتنف عملية إعادة إعمار سوريا فتحدد على مستويات ثلاث، وجميعها تشير إلى وجود مشكلة بنيوية أعمق مع كل أرقام الاستثمارات التي تصدرت العناوين.
تركز الامتيازات
أعلنت دول الخليج عن تخصيص مبلغ يقرب من 28 مليار دولار وقعت عليه في مذكرات تفاهم في أواسط عام 2025، مع بلد لا يتجاوز ناتج الدخل القومي فيه 21 مليار دولار، كما قدر البنك الدولي كلفة إعادة إعماره بنحو 216 مليار دولار، غير أن الرساميل التي تدفقت على البلد بقيت محصورة بجهات محدودة. إذ وقعت الشركة السعودية للاتصالات عقداً لإقامة شركة سينكلينك للاتصالات بقيمة تجاوزت 800 مليون دولار. كما وقعت شركة أكوا باور مذكرات تفاهم لإنشاء محطة تحلية لمياه البحر، أما صندوق إيلاف الذي تأسس منذ فترة قريبة، فقد رصد مبلغاً قدره ملياري دولار من أجل مطار حلب. وفي قطر، حصلت مجموعة تعود ملكيتها لعائلة واحدة، وهي شركة UCC القابضة، إحدى شركات المجموعة الدولية للطاقة التي تمتلكها عائلة الخياط، على امتيازات شملت قطاع توليد الطاقة، ومطار دمشق الدولي، واشترت حصصاً في مصرفين سوريين. في حين حصلت شركة دي بي وورلد على امتياز لتشغيل مرفأ طرطوس لمدة ثلاثين عاماً، بقيمة 800 مليون دولار، وذلك لصالح دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبعبارة أصح، يمكن القول بإن أربع مجموعات لشركات خليجية باتت تسيطر اليوم على مفاصل حيوية في سوريا، وتشمل هذه المفاصل مطارات وموانئ وشبكة الكهرباء، والبنية التحتية للاتصالات، وشبكة المياه، والقطاع المصرفي، وذلك بعد أن منحت الحكومة الانتقالية التي يترأسها أحمد الشرع تلك الامتيازات للشركات قبل إقرار قانون للمنافسة أو وضع إطار للشراكة بين القطاع العام والخاص، أو إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة لأي من القطاعات المعنية.
ضبابية
كشف تحليل أجرته مبادرة الإصلاح العربي عن حصر عملية صنع القرار على المستوى الاقتصادي في هيئتين، وهما المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وهيئة الاستثمار السورية، وكلتاهما تخضعان للرئاسة بصورة مباشرة. كما لا توجد إلا نسبة ضئيلة من الشفافية بالنسبة لطريقة التفاوض على عقد الاتفاقيات والصفقات، وكيفية اختيار الشركاء، وإنشاء هياكل الملكية وأطرها. فبالنسبة لحزمة الاستثمارات السعودية التي بلغت قيمتها 6.4 مليارات دولار والتي أعلن عنها في تموز من عام 2025، تحدثت رويترز عن وجود 47 اتفاقية شاركت فيها أكثر من مئة شركة سعودية، وأغلب تلك الاتفاقيات لم يكن أكثر من مذكرات تفاهم غير ملزمة وبشروط غير معلنة.
تمثل شركة سيلك لينك التي ستقيمها شركة الاتصالات السعودية أحد المشاريع القليلة التي تجاوزت عتبة مذكرة التفاهم وتحولت إلى اتفاق تنفيذي جرى التوقيع عليه عقب الحصول على ما وصفه مسؤولون سعوديون “مناقصة قائمة على المنافسة”. غير أن الشروط التنظيمية مثل مدة الترخيص، وتقاسم الإيرادات، وسياسة الطيف القانوني والاقتصادي، والملكية المشتركة مع الجانب السوري، لم تعلن حتى اللحظة، ولا أحد يعرف شيئاً عن الشركاء المحدودين لصندوق إيلاف ولا عن هيكلية لجنته الاستثمارية.
سيطرة جغرافية على مناطق معينة
حالياً تركز معظم المشاريع السعودية والقطرية على دمشق وحلب، في حين لم تحظ مناطق الساحل والسويداء الدرزية والشمال الشرقي إلا بنسبة ضئيلة من الاهتمام في الاستثمارات المعلنة التي تدفقت على البلد، على الرغم من تعرض هذه المناطق لأعتى موجة عنف وقعت خلال الفترة الانتقالية، وعلى الرغم من أن الثورة السورية التي بدأت في عام 2011 كان أحد أسباب قيامها الاحتجاج على النموذج الاقتصادي الذي كان يرصد موارد الدولة للمدن صاحبة الحظوة، فكانت تلك الموارد تنتقل إليها عبر مرورها بشبكات مرتبطة بالنظام المخلوع. وعليه، فإن عملية إعادة الإعمار التي تستنسخ تلك المخاطر التي تتمثل بظهور هذا النمط الجغرافي من جديد، لابد أن تعيد إنتاج المظالم نفسها التي تمايز بين المركز والهوامش.
وهنالك شيء أعمق من الجغرافيا يمر بالتوزاي مع ذلك، إذ أيام حكم الأسد، كان القطاع الخاص في سوريا يخضع لسيطرة الأوليغارشيين المرتبطين بالنظام الذين كانوا ينتزعون ريعاً من الدولة عبر عقود وتراخيص لشركات اتصالات. أما عملية إعادة الإعمار اليوم فتعمل من خلال عناصر فاعلة مختلفة، إلا أنها تتبع الآليات نفسها على المستوى الهيكلي، حيث تمنح امتيازات طويلة الأمد لإقامة بنية تحتية لهيئة تنفيذية مركزية في ظل شفافية محدودة، وتتركز تلك الامتيازات في قطاعات ذات حظوة ومكانة على الصعيد السياسي، من دون القيام بعمليات شراء تنافسية أو أي إشراف مؤسساتي.
فجوة كبيرة
بلغت قيمة التعهدات الغربية والتي أتت من أطراف متعددة نحو 766 مليون دولار، فقد رصد الاتحاد الأوروبي مبلغاً قدره 620 مليون دولار لسوريا سيقدم خلال الفترة ما بين 2026-2027، كما قدم البنك الدولي مبلغاً قدره 146 مليون دولار لبناء محطة لتحويل الكهرباء، في حين تجاوزت مذكرات التفاهم الخليجية الموقعة بين الطرفين 28 مليار دولار. وهذه النسبة التي تعادل تقريباً 36/1 ترجح لصالح الرأسمال الثنائي غير المشروط على حساب أموال المؤسسات التي تتبع للحوكمة، وهذا ما يحدد هوية عملية إعادة الإعمار وشكلها.
يفرض البنك الدولي والاتحاد الأوروبي معايير لعمليات الشراء وقواعد لحماية البيئة، وشروطاً لمكافحة الفساد، مثل شروط صرف التمويل، في حين لا تفرض الاستثمارات الثنائية الخليجية أي شرط، فالعائد الاستراتيجي الذي تنتظره السعودية سياسي بالدرجة الأولى، ويتمثل بإعادة توجيه سوريا بعيداً عن إيران، وتحويل الرياض إلى قبلة للعالم العربي في بناء المنظومات، ودعم واشنطن من خلال سردية تقاسم العبء، أما العوائد المالية فمؤجلة لفترات لاحقة. غير أن الفراغ في الحوكمة الذي تعمل هذه الاستثمارات داخله لا يعتبر تأثيراً جانبياً للسرعة، بل هو الشرط الذي يمكنها من العمل أصلاً.
تركيا والفضاء الجديد
تحتل تركيا موقعاً متميزاً في هذا السياق، فقد بلغت قيمة التجارة بين البلدين 1.9 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، أي بزيادة تصل إلى 54% سنة بعد سنة. وتعهدت أنقرة بتزويد سوريا بـ 900 ميغاواط من الكهرباء وتشغيل خط الغاز بين كيليس وحلب، غير أن المشاركة التركية تتم من خلال أطر تجارية، مثل إقامة لجنة اقتصادية مشتركة والدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، وليس عبر الحصول على امتيازات غامضة في مجال البنية التحتية.
لم تعد مشكلة إعادة إعمار سوريا تتلخص بقدرة الرساميل على دخول سوريا، بعد أن رفعت جميع العقوبات عن هذا البلد، بل باتت تلك المشكلة منوطة بقدرة الهندسة المؤسساتية على استيعاب تلك الرساميل من دون استنساخ الديناميات التي دمرت البلد. لأن الاستثمار من دون ضوابط مثل الشراء عبر المنافسة، والشفافية في الإفصاح عن الملاك المستفيدين، ووضع قوانين مستقلة، والعدالة في التوزيع الجغرافي، لابد أن يسفر عن حالة استغلال لا إعادة إعمار.
إن الهوة ما بين مبلغ 28 مليار دولار الذي ورد في مذكرات التفاهم الخليجية وأطر الحكم اللازمة لتحويل تلك الأموال إلى نتائج تنموية تمثل الموضع الذي يخلق الاستقرار في سوريا. أما ردم تلك الهوة من عدمه فيعتمد على العناصر الفاعلة التي لم تصل إلى سوريا بعد بأعداد كافية، وكذلك على وصول تلك العناصر أو عدم وصولها قبل أن تغلق شروط الامتيازات في وجه جيل كامل.