الخبير السوري:
أعلنت وزارة المالية السورية بشكل مفاجئ وقف إصدار تراخيص جديدة لشركات التأمين، التمويل العقاري، والخدمات المالية والوساطة، في خطوة وصفها الوزير محمد يسر برنية بأنها جزء من مراجعة شاملة للقطاع المالي تهدف إلى تنظيمه وتعزيز تنافسيته وفق المعايير الدولية.
هذا الإعلان، الذي نُشر عبر منصة “لينكد إن”، أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية. فبعض المراقبين رأوا فيه محاولة من الحكومة لضبط الفوضى في سوق الخدمات المالية، بينما اعتبر آخرون أن هذا الحذر قد يحد من تدفق الاستثمارات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى دعم اقتصادي.
وشدد الوزير برنية على أن أي جهة تقدم خدمات مالية أو مصرفية دون الحصول على الترخيص اللازم وموافقة الجهات الرقابية تعتبر مخالفة للقانون، مؤكداً أن هذا ينطبق على جميع أنواع الخدمات المالية بلا استثناء. كما حذر الشركات التي تقدمت بطلبات ترخيص ولم يتم البت فيها بعد من الترويج لنفسها أو تقديم عروض للجمهور تحت مسمى “شركات قيد التأسيس”، مشيراً إلى أن الجهات المختصة لن تتسامح مع مثل هذه الممارسات.
تأتي هذه الإجراءات في ظل ظروف اقتصادية دقيقة تمر بها سوريا، حيث تسعى الحكومة إلى فرض معايير صارمة تهدف إلى حماية المستثمرين والمستهلكين في القطاع المالي. وأوضح الوزير أن حماية المتعاملين تشكل أولوية للجهات الرقابية، خاصة في ظل سنوات من ضعف الرقابة وقلة الشفافية التي أثرت سلباً على ثقة الجمهور في النظام المالي.
في سياق متصل، أصدرت هيئة الأوراق والأسواق المالية بياناً نفت فيه صحة الأنباء المتداولة عن منح تراخيص لصناديق استثمارية جديدة في سوق دمشق للأوراق المالية، مؤكدة أنه لم يصدر أي ترخيص حتى الآن. ويأتي هذا النفي بعد انتشار معلومات غير دقيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يعكس حالة الارتباك السائدة في المشهد المالي وحاجة السوق إلى تنظيم وضبط تدفق المعلومات لحماية المستثمرين من التضليل.
يُنظر إلى قرار وقف إصدار التراخيص كخطوة انتقالية تمهد لإعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي، مع احتمال تعديل معايير منح التراخيص بما يتناسب مع خطة الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة بناء الثقة في النظام المالي السوري. ومع ذلك، يثير هذا القرار مخاوف من أن تستمر الإجراءات لفترة طويلة، مما قد يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين الذين يبحثون عن بيئة مستقرة وواضحة قبل ضخ أموالهم في السوق.
تشير التجارب في المنطقة إلى أن مثل هذه التوقيفات المؤقتة غالباً ما تسبق تغييرات تنظيمية كبيرة تشمل تعديل القوانين أو إعادة توزيع الصلاحيات بين الجهات الرقابية. وفي الحالة السورية، قد تكون هذه الخطوة مرتبطة بمحاولة مواءمة البنية المالية مع متطلبات الانفتاح الاقتصادي الجزئي بعد رفع بعض العقوبات، لضمان قدرة السوق المحلي على استقبال رؤوس الأموال الجديدة دون تعريض المستثمرين لمخاطر كبيرة.
رغم الغموض المحيط باستمرارية هذا القرار وآثاره المستقبلية، فإن الرسالة الرئيسية التي أرادت وزارة المالية توصيلها واضحة: تنظيم السوق المالية أصبح ضرورة ملحة، ولن يكون هناك تساهل مع الشركات غير المرخصة أو الحملات الترويجية غير المنظمة. وإذا ما رافق هذا التوجه شفافية أكبر في إجراءات منح التراخيص وتحديد المسؤوليات، فقد تسهم هذه الخطوات في تعزيز بيئة مالية أكثر استقراراً، واستعادة جزء من الثقة التي فقدها النظام المالي والمصرفي في سوريا.