الخبير السوري:
تعتري المشهد الاستثماري في سوريا تحوّلات جوهرية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تحت قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
رؤوس الأموال السورية في الخارج مترددة في العودة، رغم انتهاء الحرب الأهلية وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار
وفيما تتدفق الاستثمارات الأجنبية بوتيرة متسارعة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، تظل رؤوس الأموال السورية في الخارج مترددة في العودة، رغم انتهاء الحرب الأهلية وبدء مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والإداري.
استثمارات أجنبية نشطة وغياب للمال المحلي
منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة الانتقالية، جذبت سوريا أكثر من 16 مليار دولار في صورة تعهدات استثمارية خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2025… وشهد شهر أغسطس / آب توقيع اتفاقيات جديدة تتجاوز قيمتها 14 مليار دولار، تشمل قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية.
أطلقت شركة “يو سي سي” القطرية مشروعًا ضخمًا في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار
وتأتي هذه الطفرة الاستثمارية بدعم مباشر من دول الخليج، خصوصًا قطر والسعودية. فقد أطلقت شركة “يو سي سي” القطرية مشروعًا ضخمًا في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، بينما كشفت الرياض عن استثمارات تُقدر بـ 6.4 مليارات دولار تشمل مجالات الإسمنت والاتصالات والنقل، إلى جانب مشروع لإنتاج الإسمنت الأبيض في مدينة عدرا الصناعية.
أما الإمارات، فقد وقّعت اتفاقًا لتطوير محطة لوجستية في مرفأ طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، في حين أبرمت فرنسا عقد امتياز طويل الأمد لتشغيل مرفأ اللاذقية بقيمة 262 مليون يورو، ضمن صفقة سياسية يعتقد محللون أنها كانت مرتبطة بإنهاء النفوذ الروسي على الساحل السوري.

رؤوس الأموال السورية في الخارج: أرقام ضخمة وعودة محدودة
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن إجمالي الاستثمارات السورية في الخارج يتراوح بين 80 و100 مليار دولار، موزعة على عدة دول، أبرزها تركيا، حيث أسس السوريون أكثر من 7,500 شركة باستثمارات تقارب 3 مليارات دولار.
وبحسب البنك الدولي، ساهمت هذه الشركات بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي التركي.
وفي مصر، تبلغ استثمارات السوريين نحو 800 مليون دولار، بينما تتراوح الأرقام في لبنان بين 15 و50 مليار دولار.. وفي الإمارات وحدها، وصلت الأموال السورية منذ عام 2011 إلى حوالي 40 مليار دولار. وتُظهر هذه الأرقام مدى ضخامة رأس المال السوري في المهجر مقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة حاليًا إلى الداخل.
تحديات عودة الاستثمار المحلي
رغم جهود الحكومة الانتقالية في جذب الاستثمار المحلي، لا تزال العوائق كبيرة، فغياب استقرار طويل الأمد، واستمرار العقوبات الغربية، خصوصًا قانون “قيصر” الذي لم يُرفع بالكامل بعد، إلى جانب ضعف البنية التحتية والقطاع المصرفي، كلها عوامل تحدّ من رغبة المستثمرين السوريين في العودة.

ويُقدّر البنك الدولي أن سوريا تحتاج ما بين 250 و400 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهو رقم يتجاوز الإمكانيات المتاحة حاليًا، سواء على مستوى الدولة أو القطاع الخاص.
وتبقى كفاءة النظام المصرفي المحلي في تنفيذ التحويلات وضمان الأرباح محدودة في ظل غياب ضمانات دولية أو دعم مصرفي خارجي.
بيئة استثمارية قيد التشكيل
في محاولة لتجاوز هذه التحديات، أصدر الرئيس أحمد الشرع في يوليو/ تموز الماضي تعديلات موسعة على قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، تهدف إلى تحسين مناخ الاستثمار وتقديم ضمانات إضافية للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
وبحسب وزارة الاقتصاد السورية، تم تسجيل نحو 500 شركة جديدة منذ بداية العام، غالبيتها في قطاعات الخدمات والصناعة، ما يعكس بعض التحسن في بيئة الأعمال، إلا أن حجم مشاركة رجال الأعمال السوريين في هذه المبادرات لا يزال محدودًا.
قلق من فقدان السيادة الاقتصادية
يشير مراقبون إلى أن اعتماد سوريا على الأموال الأجنبية، في ظل غياب رأس المال المحلي، قد يعرّض البلاد لاحقًا لمخاطر تتعلق بفقدان السيادة الاقتصادية، خصوصًا إذا ما تغيرت الظروف السياسية للدول المانحة.
إذ إن بناء اقتصاد قائم على مصالح دولية متنافسة دون توازن داخلي يمكن أن يُضعف قدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ خطط تنموية مستقلة.
وتبرز هذه المخاوف في ظل أرقام “المفوضية العليا لشؤون اللاجئين” التي تشير إلى أن من بين أكثر من مليوني لاجئ و نازح عادوا إلى سوريا خلال الأشهر الأخيرة، كان أقل من نصف مليون من خارج البلاد، وغالبيتهم من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وليس من أصحاب رؤوس الأموال.
نظرة مستقبلية: هل تتغيّر المعادلة؟
تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاستثمارات السورية الخارجية حققت نموًا سنويًا بمعدل 6.2% منذ عام 2018.