الخبير السوري:
وقعت وزارة الطاقة السورية وأوقعت المواطن معها، في مأزق بات من العسير عليها الخروج منه. بقرار وُصف بأنه ارتجالي قضى برفع تعرفة استهلاك الكيلواط الساعي بنسبة وصلت إلى 800 في المئة دفعة واحدة.
وبدا واضحاً مع صدور أول فاتورة وفق التعرفة الجديدة، أن ثمة “معضلة” حقيقية ترخي بظلالها على أروقة القرار الحكومي كما الشارع. لا يمكن أن تستوي الأمور بدون مقاربة عقلانية لحلّها، على الرغم من صعوبة الحل لاعتبارين، الأول: يتعلق بهيبة المؤسسة الرسمية ومعها الدولة، فالتراجع عن القرار تهمة بحد ذاته تُرتّب علامات استفهام حول جدارة وكفاءة مكنة صنع القرار في وزارة كبرى.
والثاني: أن التعرفة الجديدة أُقرّت بناء على تقديرات وحسابات تخصّ شركات غير سورية وقعت عقوداً مع الحكومة السورية لإنتاج الكهرباء، ودفعت بدراسات جدوى اقتصادية ـ استثمارية اقتضت إقرار التعرفة “الصادمة” التي لم تكن ولا حتى في خيال السوريين، وهي انعكاس لتكاليف بناء محطات توليد ومنظومة توزيع مُضافة إلى الأرباح المطلوبة، بما أن المسألة مسألة استثمار مديد لا منحة ولا هبة لمرة واحدة أو لأجل قصير.
ويزيد من مأزق وزارة الطاقة تعقيداً، أن الدولة السورية غير قادرة ـ مالياً ـ في المدى المنظور على تولي مهمة النهوض بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء المُنهار كما غيره من القطاعات الأساسية.
*تخلّ عن خدمات الكهرباء
بالفعل، يشهد الشارع السوري ما يشبه الغليان هذه الأيام، مع الترجمة العملية لقرار رفع تعرفة استهلاك الكهرباء وصدور الفاتورة الأولى. وما زاد من صدمة المواطن السوري، أن صدور الفاتورة الأولى تزامن مع الفرحة الكبيرة بتحرير آبار النفط والغاز في منطقة “الجزيرة السورية”، والاستبشار ببحبوحة بعد اختناقات مزمنة على صعيد المشتقات النفطية والكهرباء.
وبدت واضحة حالة التخلّي أو الاستعداد للتخلّي عن خدمات الكهرباء، لدى العديد من المواطنين الذين التقتهم “المدن” في العاصمة دمشق، ممن أكدوا أنهم غير قادرين على دفع الفاتورة ولا بأس أن تأتي شركة الكهرباء وتسحب العداد “متوسط راتب الموظف مليون ليرة والمتقاعد 800 ألف ليرة”.
وبدعابة علّق لـِ “المدن” موظف في شركة المخابز على الموضوع بالقول: الحمد لله لم تعد شركتنا هدفاً للمواطن بعد رفعها أسعار الخبز، اليوم تولّت شركة الكهرباء العبء، وتحدث عن فاتورته البالغة حوالي 500 ألف ليرة سورية “عن شهرين” مؤكداً أنه حاول تقليص استهلاكه إلى أدنى حد ممكن “براد وشاشة تلفاز وإضاءة” لكن المبلغ كبير بالنسبة لصاحب أسرة راتبه 1000000 ليرة سورية.
*تقصير وإهمال موظف
هناك فواتير كانت قاهرة لبعض الأسر “4 و5 ملايين ليرة” على الرغم من أنها أسر لا تمتلك أدوات الترفيه المستهلكة للطاقة، وهنا لا بد أن نشير إلى ملاحظة هامة في هذا السياق، وهي أن الفواتير المبالغ فيها والناتجة عن أخطاء أو تقصير بشري، ليست جديدة على الكثير من المواطنين، إذ يشير أحد سكان توسع مشروع دمر بدمشق إلى فاتورة استهلاك صدرت باسمه قيمتها 20 مليون ليرة سورية “قبل فاتورة الزيادة” والسبب أن الموظف قارئ العدادات قصّر في عمله ولم يلحظ تأشيرات العداد لأشهر متتالية. بالتالي عندما جاء موظف آخر وقرأ رقم الاستهلاك، كان الرقم كبيراً ودخل المشترك في شريحة الاستهلاك القصوى “أعلى سعر للكيلواط”، وهذه المشكلة لن تحلّها إلا العدادات الذكية التي تحيّد العنصر البشري تماماً من العلاقة بين مؤسسة الكهرباء بشركاتها والمشتركين.
أمام كل ما يجري من جدل، لم تصدر وزارة الطاقة – الكهرباء لأي توضيح أو تبرير مقنع. فقط اكتفى مدير المؤسسة العامة لتوزيع ونقل الكهرباء المهندس خالد أبو دي عبر بيانٍ رسمي وزّعته المؤسسة، بـ”دعوة المواطنين لتشغيل الأجهزة الكهربائية عند الحاجة فقط، وترشيد استهلاك الكهرباء بالاعتماد على الإنارة الموفرة للطاقة، مع الاستفادة من الإضاءة الطبيعية خلال النهار، والحد من الاستجرار غير المشروع، لما ذلك من أثر مباشر في زيادة ساعات التغذية وتعزيز استقرار الشبكة”، وهي نصائح تلقفها الجميع على أنه لا عودة عن القرار على طريقة “اتغطى مليح”.
*هل من حلول وسط؟