استحقاقات التنمية الملحّة “الوصفة” المركزية كخيار إستراتيجي..سوريا أولاً

كتب وديع فايز الشماس ـ الخبير السوري:

لا يمكن فهم الأزمة الاقتصادية السورية بمعزل عن البيئة السياسية التي حكمت البلاد خلال العقود الماضية . فالاقتصاد ليس قطاعًا منفصلًا، بل انعكاس مباشر لبنية الدولة، وطبيعة القرار السياسي، ومستوى السيادة على الموارد. ومن هنا، يصبح واضحًا أن التعافي الاقتصادي ليس مسألة مالية أو إنتاجية فحسب، بل مشروع وطني شامل يبدأ من وحدة الدولة واستعادة القرار السيادي.

أولًا: وحدة سوريا أساس الاستقرار الاقتصادي

تُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن الوحدة السياسية شرطٌ سابق لأي نهوض اقتصادي. فغياب سلطة مركزية موحدة يؤدي إلى:

– تفكك سلاسل الإنتاج
– تشتت السياسات المالية والنقدية
– ضعف القدرة على ضبط الأسواق
– تراجع ثقة المستثمرين
– ارتفاع كلفة المعاملات الاقتصادية بين المناطق

وفي سوريا أدى تعدد مراكز النفوذ إلى تعطيل النقل والتجارة الداخلية، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما جعل الاقتصاد يعمل بطاقة أقل بكثير من إمكاناته.

إن شعار سوريا أولًا هنا ليس خطابًا سياسيًا، بل مبدأ اقتصادي يعني أن وحدة القرار شرط لعودة الإنتاج، وانخفاض التكاليف، واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني.

ثانيًا: السيادة الاقتصادية وإدارة الموارد

الاقتصاد السوري يمتلك مقومات قوية: النفط والغاز، الزراعة، المياه، الفوسفات، المرافئ، والموقع الجغرافي. لكن هذه الموارد فقدت قيمتها الاستراتيجية بسبب:

– غياب السيطرة الكاملة على مناطق الإنتاج
– تدخل القوى الخارجية في إدارة الثروات
– ضعف الحوكمة والشفافية
– انتشار اقتصاد الظل والتهريب

إن استعادة السيادة على الموارد ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية لضمان:

– رفع الإيرادات العامة
– تمويل الخدمات الأساسية
– دعم الليرة السورية
– إعادة بناء البنية التحتية
– جذب الاستثمارات الوطنية والخارجية

فالاقتصاد بلا سيادة يتحول إلى اقتصاد هش، ريعي، يعتمد على المساعدات والتحويلات بدل الإنتاج الحقيقي.

ثالثًا: اللامركزية الرشيدة كأداة تنمية

اللامركزية الاقتصادية ليست تفتيتًا للدولة، بل آلية لتحسين الكفاءة الاقتصادية عبر:

– تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها
– تخفيف الضغط عن المركز
– تعزيز التنمية الريفية
– خلق فرص عمل في المحافظات
– تقليل الهجرة الداخلية والخارجية

لكن نجاح اللامركزية يتطلب إطارًا وطنيًا موحدًا يضمن توزيعًا عادلًا للثروة، ويمنع تحول الموارد إلى أدوات صراع محلي.

رابعًا: العدالة الاقتصادية شرط لإعادة الإعمار

إعادة الإعمار ليست عملية هندسية، بل مشروع اقتصادي–اجتماعي يعيد بناء:

– رأس المال البشري
– المؤسسات
– الثقة بين الدولة والمواطن
– البيئة الاستثمارية

ولا يمكن للإعمار أن ينجح إذا:

– احتُكرت المشاريع من قبل قلة
– حُرمت مناطق من التعويض
– غابت الشفافية
– استمر الفساد

إن العدالة في التعويض وتكافؤ الفرص وإعادة توزيع الدخل هي الأساس لاقتصاد مستدام، وتمنع إعادة إنتاج أسباب الأزمة.

خامسًا: نحو اقتصاد وطني إنتاجي

مستقبل سوريا الاقتصادي يعتمد على خيار سياسي واضح: دولة موحدة، ذات سيادة، تعتمد سياسات اقتصادية رشيدة. وعندها فقط يمكن:

– استعادة الثقة بالليرة
– جذب رأس المال الوطني
– إعادة تشغيل المصانع
– تطوير الزراعة والصناعات الغذائية
– الاستثمار في الطاقة المتجددة
– تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية

إن سوريا التي نريدها هي دولة تنتقل من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد إنتاجي قادر على خلق فرص عمل وتحقيق نمو مستدام.

اخيراً
سوريا أولًا ليس شعارًا، بل إطار اقتصادي وطني يؤكد أن:

– الاقتصاد لا ينهض إلا بوطن موحد
– السيادة لا تكتمل دون إدارة رشيدة للموارد
– الإعمار لا ينجح دون عدالة
– التنمية لا تتحقق دون مشاركة وطنية واسعة

إن بناء اقتصاد سوري قوي يبدأ من السياسة، ويكتمل بالعدالة، ويستمر بالإنتاج.

[ جديد الخبير ]