تساؤلات صعبة وخيارات أصعب في أفق الاقتصاد السوري..

​الخبير السوري ـ وديع الشماس:


​يشهد الاقتصاد السوري مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مجموعة من المتغيرات الحاسمة التي تفرض تحديات هيكلية عميقة. أبرز هذه التطورات هي تشكيل لجنة الاستيراد والتصدير، هيمنة الدولار الأمريكي على حركة البيع والشراء (الـدولرة الصامتة)، الانخفاض الكبير في الرسوم الجمركية على المستوردات، والارتفاع الصادم لأسعار حوامل الطاقة.

هذه التطورات مجتمعة تطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أين يتجه الاقتصاد السوري؟ وهل نحن أمام إصلاح حقيقي يعيد توجيه دفة الإنتاج، أم مجرد تعميق للأزمة في صيغة جديدة؟

بين ضبط التدفقات وإدارة الأزمة

​يأتي تشكيل لجنة الاستيراد والتصدير في إطار محاولة ضبط تدفقات السلع وتنظيم التجارة الخارجية، وهي ضرورة في اقتصاد يعاني من تذبذب سعر الصرف ونقص القطع الأجنبي، إلا أن فعالية هذه اللجنة قد تظل مرهونة بطبيعة أدواتها التنفيذية وربطها بالتوجهات التنموية.
​ففي اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، يمكن أن تتحول اللجنة من أداة تنظيم إلى أداة إدارة أزمة مؤقتة، لأن المشكلة الأساسية هنا ليست في الاستيراد بحد ذاته، بل في فتح بابه دون حماية ذكية للمنتج المحلي، ما يجعل السوق السورية عرضة لأن تصبح ساحة استهلاك صافية أكثر منها ساحة إنتاج حقيقي، أي إجراء تنظيمي يغفل حماية الصناعة والزراعة المحلية، هو إجراء يخدم التجارة على حساب التنمية.

“دولرة” صامتة وشلل نقدي

​لم يعد الدولار في سوريا مجرد عملة للتجارة الخارجية؛ بل أصبح عملة تسعير داخلي للعقارات، السيارات، المواد الأساسية، وحتى جزء كبير من الخدمات.. هذه الظاهرة، المعروفة بـ “دولرة الاقتصاد”، تحمل آثارًا تدميرية على الاستقرار الاقتصادي والنقدي:

في مقدمتها ​تآكل دور الليرة السورية، إذ تفقد العملة الوطنية قدرتها على أداء وظائفها الأساسية كأداة تبادل، مخزن للقيمة، ووحدة حساب.
ثم ​فقدان السياسة النقدية لفاعليتها، أي يصبح البنك المركزي أقل قدرة على ضبط السوق عبر أدواته التقليدية (سعر الفائدة، الاحتياطي النقدي).
إضافة إلى ​زيادة التضخم المستورد..فأي ارتفاع في سعر الصرف يتحول إلى صدمة تضخمية مباشرة لكافة فئات المجتمع، مما يزيد من معدلات التضخم المستورد.
إلى جانب ​اتساع فجوة المعيشة بعد اتساع الهوة بين الدخل المحلي بالليرة والتكاليف المعيشية المُسَعّرة ضمنياً بالدولار.

​في هذا الواقع، يتحول سعر الصرف إلى مؤشر اجتماعي مباشر وليس مجرد مؤشر نقدي.

خفض الجمارك.. منافع آنية ومخاطر إنتاجية

​خفض الرسوم الجمركية على المستوردات قد يُسوَّق كخطوة إيجابية لخفض الأسعار على المستهلك، لكنه يحمل في العمق مخاطر اقتصادية استراتيجية إذا لم يدار بحذر شديد.
​إن هذه السياسة قد تؤدي إلى ​إغراق السوق بالسلع الأجنبية الأرخص نتيجة التنافس غير المتكافئ.
و​خروج منشآت صناعية وزراعية محلية من المنافسة، ما يؤدي إلى تدهور الإنتاج.
و​زيادة البطالة في القطاعات الإنتاجية.
ثم ​تراجع الإيرادات الجمركية للدولة، مما يفاقم العجز المالي.
ففي الاقتصادات الهشة، لا تُقاس الجمارك فقط بإيرادات الخزينة، بل بدورها الحيوي في حماية العمود الفقري للإنتاج الوطني وتوفير شبكة أمان للمنشآت المتوسطة والصغيرة.

 ضربة قاضية للقدرة التنافسية

​يشكّل رفع أو تحرير أسعار حوامل الطاقة (المازوت، الكهرباء، الغاز) أكبر تحدٍ أمام أي مشروع إنتاجي في سوريا اليوم. الطاقة ليست تكلفة عادية، بل هي مدخل رئيسي في كل قطاعات الاقتصاد (الصناعة، الزراعة، النقل، الخدمات).
​ومع غياب بدائل حقيقية ومتاحة (كالطاقة المتجددة على نطاق واسع، أو دعم إنتاجي موجّه وفعّال)، يتحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى ​عامل طرد للاستثمار المحلي والأجنبي.
ويصبح ​رافعة قوية للتضخم عن طريق زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
إلى جانب التسبب ب​إضعاف القدرة التنافسية للمنتج السوري في الأسواق الخارجية والمحلية على حد سواء.

سيناريوهات محتملة

​بناءً على المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة..


أولها ​سيناريو الركود التضخمي (الأخطر)، وهو المسار الذي يجمع بين ارتفاع مزمن في الأسعار (تضخم) وضعف أو جمود في النمو الاقتصادي (ركود)، مع استمرار تآكل الدخول وتراجع كبير في الإنتاج، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية.
ثم ​سيناريو الاستقرار الهش..و يتميز بضبط نسبي ومؤقت لسوق الصرف بفضل بعض الموارد المحدودة أو الإجراءات القسرية، ولكن مع استمرار سياسات الاستيراد ونمو ضعيف جداً لا يتجاوز 1-2%، دون تحقيق اختراقات هيكلية في ملف الإنتاج والتشغيل.
إلى جانب ​سيناريو التعافي المشروط (الأمل) ويتطلب هذا السيناريو تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة الاقتصادية، و يتضمن: دعم مباشر وموجّه للإنتاج، إدارة ذكية للجمارك تجمع بين حماية الصناعة وتلبية حاجات السوق، تحفيز استباقي للصادرات، والبدء بخطوات عملية لتخفيف الدولرة تدريجياً.
​السيناريو الثالث هو الوحيد القادر على إخراج الاقتصاد من دوامة الاستهلاك والعجز إلى مسار تنموي مستدام.

​في المحصلة يمكن القول: إن الإصلاح يبدأ من الإنتاج.. وليس من السوق
​إن الاتجاه الذي يسلكه الاقتصاد السوري اليوم يوحي بأن المعالجة لا تزال سوقية وتجارية أكثر منها تنموية وبنيوية.
​وإن فتح الاستيراد، وخفض الجمارك، ورفع أسعار الطاقة دون بناء قاعدة إنتاجية متينة وقادرة على المنافسة، لن يؤدي إلا إلى إبقاء الاقتصاد في حالة استهلاكية هشّة، يعتمد بشكل كبير على الدولار ويعاني من تضخم مزمن.
​فالإصلاح الحقيقي والمستدام يبدأ من:
– ​دعم حقيقي للقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة).
– ​حماية ذكية ومؤقتة للمنتج المحلي الناشئ.
– ​تبني سياسة نقدية جادة للحد من الدولارنة.
– ​توفير الطاقة بأسعار إنتاجية عادلة لضمان القدرة التنافسية.
​بدون هذا التحول الهيكلي، سيبقى السؤال “إلى أين يتجه الاقتصاد السوري؟” مفتوحًا، وستكون الإجابة مؤجلة على حساب التنمية الاقتصادية واستقرار المجتمع.

[ جديد الخبير ]