الغوطة الشرقية تعاود النهوض ومدينة دوما “واسطة العقد”…مطالب بخطة إعمار متكاملة

الخبير السوري ـ نسيم عمران:
ربما هي من أكثر مناطق الجغرافيا السورية المرشحة للتسارع في ملامح الانتعاش والتعالي بعد التحرير.. بهذه الخلاصة سيخرج كل من يحاول البحث في اقتصاديات الغوطة الشرقية، التي هي مزيج من الزراعة التقليدية والصناعات التحويلية والأخرى الحرفية التي تأثرت بشكل كبير بالحصار ومجريات “الحدث السوري” الذي استمر لسنوات طوال بحيثيات مكثفة.
ويشير خبراء ومتابعون إلى نقطة القوة والمقوّم الهام الواعد بتسارع تعافي الغوطة الشرقية، وهو وجود رجال أعمال كبار ينحدرون من مختلف البلدات التابعة لهذا النطاق الجغرافي الحيوي، والذين بدت بصماتهم واضحة في المضمار الإنساني كما بدأت تتضح على مستوى الاقتصاد ومعاودة إقلاع مختلف البنى الإنتاجية الحقيقية.
إضافة إلى أن الغوطة تحتضن واحدة من ثلاث مدن صناعية كبرى في سوريا هي مدينة عدرا الصناعية، التي تشهد نمواً مضطراً في استثماراتها.

سلّة دمشق الدسمة

قبل الحرب، كانت المنطقة “سلة دمشق الغذائية” من خلال ضخ إنتاج مساحات آلاف الهكتارات من الأراضي المشهودة بخصوبتها، ومئات آلاف رؤوس الماشية.
كما اشتهرت بصناعة أفخر أنواع الأثاث المنزلي الذي يستهدف الأسواق الخارجية كما الداخلية، وحقق حضوراً لافتاً على المستوى العربي.
وتؤكد المعطيات الجديدة بدء جهود إعادة الإعمار التي تستهدف البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية بهدف استعادة دورها في تزويد دمشق بالمنتجات الزراعية وتشغيل المنشآت الصناعية.

دوما واسطة العقد

يتيح تتبع تفاصيل المشهد الجديد في مدينة دوما، التقاط ملامح التحول والنهوض الجديد في الغوطة الشرقية بشكل عام.. فهذه المدينة هي واسطة عقد هذه المنطقة السخية التي تحظى بخاصيّة الديناميكية في معاودة النهوض.
فبعد سقوط النظام السوري، تبدلت ملامح الحياة في مدينة دوما، وبدأت تشهد ازدحاماً في أسواقها التجارية وحركة ترميم وبناء غير مسبوقة، تزامنت مع عودة المهجّرين من أبنائها بقصد الزيارة أو الإقامة الدائمة.

فقبل عام 2011، بلغ عدد سكان مدينة دوما 585 ألف نسمة، بينما انخفض العدد في سنوات الحصار، حتى بلغ عدد سكان المدينة لحظة سيطرة النظام عليها عام 2018، نحو 150 ألفاً فقط، وفق تصريحات صحفية لرئيس مجلس المدينة الحالي، مقدراً عدد السكان الحالي بنحو 450 ألفاً “وهو عدد يزيد بشكل ملحوظ” بعد سقوط النظام وعودة المهجرين.

إعادة إعمار

عودة إعمار تزداد وقائعها تسارعاً بالفعل، فأينما يتجوّل الزائر في دوما اليوم يجد عمال البناء يرممون المباني المهدمة، وآخرون ينقلون المعدات إلى مكان الورشات، وشاحنات تنقل الإحضارات ومستلزمات البناء.. في مشهد لم تألفه الغوطة” منذ سيطرة النظام البائد عليها، عام 2018 حتى سقوطها في أواخر العام الماضي.

وهنا يبدو مهماً الإشارة ـ وفق إحصاءات سابقة ـ إلى أن عدد المباني المدمرة المتضررة في الغوطة الشرقية 34,136 مبنى، منها 9,353 مبنى مدمراً كلياً، و13,661 بشكل بالغ، و11,122 بشكل جزئي، بحسب أطلس نشره سابقة لمعهد الأمم المتحدة للبحث والتطوير.
بعد سقوط النظام “تغيّر الحال، وشهدت دوما انفتاحاً غير مسبوق على عمليات إعادة الترميم والبناء”.

خطة إنعاش متكاملة

إن كانت الغوطة الشرقية ذات خصوصية وتميز في سعي أبنائها لإعمارها..إلا أن خبراء يرون أنه لابد من خطة عمل متكاملة لإعادة إنعاش المنطقة محاورها هي “الإعمار، الزراعة، الاقتصاد المحلي، الدعم الاجتماعي”، فيما يتعلق بالبنية التحتية والمنازل المهدمة: في ظل غياب القدرة على إعادة الإعمار الشامل بسبب غلاء المواد وارتفاع الإيجارات، من الممكن إطلاق مبادرات لإعمار جزئي تدريجي قائم على فكرة “الإعمار المجتمعي”، بمعنى أن تتشارك أكثر من عائلة في بناء مكان سكن مشترك يتقاسمونه سوياً، مع الاستفادة من إعادة تدوير الانقاض مثل: (الحديد، الحجر، الأخشاب) ما يخفف من التكلفة بعض الشيء، وتقديم اقتراح للمنظمات الإغاثية لمنح قروض صغيرة بفوائد شبه معدومة لتشجيع إعادة الترميم على أقل تقدير.


وإعادة إحياء الحرف اليدوية التقليدية (الزجاج، الفخار، التطريز) وفتح أسواق حصرية لصناعات أهل الغوطة منهم، خاصة للنساء، وأن تربط هذه الصناعات الصغيرة البسيطة بأسواق المدن، وأن يتم العمل على تصديرها ولو بنسبة بسيطة عبر وسطاء، أو من خلال استغلال المنصات الإلكترونية، وأن تحمل نلك المنتجات علامة “صنع في الغوطة”، ما يعيد إليها ألقها الصناعي ويعزز هوية المنطقة.

خصوصية زراعية

وميزة نسبية

وبما أن الجميع يدرك أنه مهما مرّ على أرض الغوطة تبقى صالحةً للزراعة، فيجب العمل على إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بخطط مرنة وكلفة من بسيطة إلى متوسطة بعض الشيء، مثل إدخال محاصيل سريعة النمو ورخيصة البذور، والاعتماد على الريّ بالتنقيط من مياه معاد تدويرها كأساليب ري مبتكرة أقل تكلفة ووقت، مع الاشتراك بإعادة تأهيل المساحات التالفة من

قبل عدد من الأهالي وزرعها بمحاصيل بسيطة وتقاسم غلاتها، ومنها تكون مصدر مونة لهم.


من المهم إلى جانب إعادة التأهيل الزراعي الالتفات للإنتاج منه والتدبر في تسويقه، ذلك عبر إنشاء منصات تسويق محلية رقمية أو نقاط محددة يديرها المزارعون بأنفسهم متعاونين مع جهات حكومية متمثلة بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومنظمة عبر وسطاء تابعين لجمعيات إغاثية أو خيرية غير ربحية، بشكل تجمع فيه هذه المنتجات وتنقل للسوق المحلية بشكل مباشر أو للمستهلكين الزائرين للنقاط التي تعرض هذه المنتجات، مما يزيد من ربح المزارعين ويخفض الكلفة على الأهالي.
مقترح أخر للإنتاج يعتمد على تدريج نمط “السلة الغذائية المباشرة” القائم على تعاقد المستهلك مع المزارعين بشكل مباشر لشراء إنتاج موسم كامل بشكل مسبق وربما يمكن طرحه بنسبه أرباح معينة تخدم الطرفين.
لا غنى عن التدخل الحكومي ولو كان محدوداً عبر إنشاء تعاونيات زراعية تضم (بذور وتقدم معدات زراعية وآليات خفيفة) تعتمد على نظام الأقساط أو نسب الأرباح بفوائد خفيفة جداً لكنها مساعدة كثيراً أو أن تدعم هذه التعاونيات فكرة الشراء الجماعية لكميات معينة يتقاسمها الفلاحون حسب حاجتهم بكلفة مدروسة تتغير بتغير الإنتاج الزراعي، في حال إقامة تلك التعاونيات يمنح المزارع قوة تفاوضية أكبر في الأسواق المحلية، نابعة من أرضية حكومية ثابتة  يمكن الاستناد عليها، ما يضمن استمرار الإنتاج تحت كل الظروف والأزمات، والعمل مستقبلاً على إضافة خاصية جذب التمويل الخارجي والدعم الدولي بالاعتماد على مغتربي المنطقة ونشاطهم في الخارج، بذلك يمكن أن تنتج لدينا صيغة تعاون شفافة ومستدامة.

ورقة رابحة بامتياز

تنطوي الغوطة الشرقية وبدرجة أكبر في مدينة دوما، على مجموعة مميزة ومعروفة من رجال الأعمال الذين يحتفظون بنفحة انتماء كبيرة لمنطقتهم كما بلدهم سوريا، واستطاعوا توأمة هذه الأصالة بقدر عالٍ من الحداثة، استطاعوا عبر هذه الثنائية التفوق في أوساط قطاع الأعمال السوري.
ويصنف خبراء الاقتصاد هؤلاء كأهم رأسمال وورقة رابحة في مسيرة إعادة إنعاش منطقتهم كما باقي مرتكزات الاقتصاد السوري، في سياق مهمة إعادة الإعمار كمهمة وطنية بامتياز.

[ جديد الخبير ]